مخيم اللاجئين في تطاوين يثير قلق منظمات المجتمع المدني

الصورة الرئيسية: لقطة شاشة لصورة من زيارة والي تطاوين عادل الورغي عدد من الإطارات الجهوية يوم 09 جانفي 2020 لمنطقة بير الفطناسية حيث سيتم تركيز مخيم اللاجئين.

مخيم اللاجئين في تطاوين يثير قلق منظمات المجتمع المدني

فيفري 18، 2020

تطاوين – أشرف الشيباني

أعلنت تونس عن تفعيل خطة طوارئ أمنية وإنسانية تحسبا لتدفق لاجئين محتملين من جارتها ليبيا ، بالتنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة  واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية.

و بينما تسابق السلطات التونسية الزمن لإنشاء مخيّم للاجئين الوافدين من ليبيا، في بئر الفطناسيّة جنوب معتمدية رمادة في ولاية تطاوين، يبدي عدد من نشطاء المجتمع المدني قلقهم من أن يتحول المخيم إلى منصة دائمة لاحتواء المهاجرين مثيرين تساؤلات حول ظروف اختيار هذا الموقع.

اختيار غريب

و أكد المدوّن، م. ج. ، أن الرأي العام في مدينة رمادة يتخوف من أن مخيم بئر الفطناسيّة أكبر من مجرد ملجأ وقتي للفارين من المعارك المندلعة في ليبيا. و في سنة 2018، اقترح الاتحاد الأوروبي أن تستضيف الدول الإفريقية مراكز معاينة للاجئين الذين يسعون للذهاب إلى أوروبا، وهو اقتراح رفضه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حينذاك. و قد كثف مسؤولو خفر السواحل التونسيون احتجازهم للمهاجرين المتجهين إلى إيطاليا في السنوات الأخيرة.

وأضاف ذات المصدر، في تصريح لموقع مشكال ، أن الجهود التي تبذلها الإدارات المحلية لتأمين المياه للمخيم ، كان من الأجدى أن تقوم بها لتزويد المدينة بالماء الصالح للشراب والذي يشهد انقطاعا متكررا في رمادة خصوصا في فصل الصيف.

و يبعد مخيم بئر الفطناسيّة حوالي 27 كيلومترا عن مركز معتمدية رمادة و تم تركيزه في منطقة جدباء بمحاذاة بئر عموميّ.

وشدّد م ج ، و الذي يدير ” رمادة 24 ” ،وهي واحدة من أكثر صفحات الفايسبوك متابعة في المدينة 28 )   ألف معجب  ( ،  أن السلط الجهوية يجب أن تقدم ضمانات كافية لطمأنة الأهالي بأن مخيم بئر الفطناسيّة حل وقتي لإغاثة اللاجئين ولا نية لجعله منصة دائمة للمهاجرين.

ويفضّل م ج  حجب هويته الكاملة أثناء خوضه في المسائل العامة خصوصا أنه يقطن معتمدية لا يتجاوز عدد سكانها 6315 ساكنا حسب بيانات رسمية نشرها المعهد الوطني للإحصاء سنة 2014.

من جهته، أبرز عمر عبد القادر، المكلف بالعلاقات و التواصل في رابطة المواطنة و الحريات (منظمة حقوقية مستقلة تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية) ، أن تخوف منظمات المجتمع المدني في تطاوين نابع من خشيتها من تحول المخيم الى مركز إيواء دائم للمهجرين والمبعدين وهو ما سيكون له آثار وخيمة ، حسب تعبيره.

واعتبر عبد القادر، في تصريح لموقع مشكال ، أن سيناريو سنة 2011 مازال في الأذهان بعد أن ألهب تدفق النازحين من ليبيا أسعار الإيجارات والسلع الاستهلاكية في ولاية تطاوين والمدن المجاورة بعد ارتفاع الطلب عليها.

ويتخوّف المكلف بالعلاقات و التواصل في رابطة المواطنة و الحريات من أن يؤدي ارتفاع عدد اللاجئين في الولاية إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب والضغط على موارد الجهة.

ولم تكن المنظمات الوطنية والأحزاب السياسية أقل توجّسا من هذا المخيم ، حيث عبّر “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” ،  و هو منظمة حقوقية غير حكومية ، عن قلقه من “شح المعلومات حول مخطط إقامة مخيم بئر الفطناسيّة في ولاية تطاوين بالجنوب التونسي، خاصة فيما يتعلق بظروف اختيار الموقع ومدى ملائمته للشروط الدنيا الإنسانية و الإغاثية”.

في حين اعتبر القيادي بحزب ” حراك تونس الإرادة”، عماد الدايمي، أن  اختيار موقع المخيم  مثير للاستغراب لأنه يبعد 75 كم عن معبر الذهيبة – وازن الحدودي و185 كم عن معبر راس اجدير. في حين تبعد فقط 20 كم عن مطار رمادة.

وأضاف الدايمي، في تدوينة على حسابه بموقع فايسبوك، أنه جرت العادة أن يقع إقامة  المخيمات الإنسانية اما داخل البلد المعني بالحرب (أي ليبيا في هذه الحالة ) مع حماية أممية ومنطقة تحجير طيران وحرب. أو في بلد مجاور في منطقة قريبة من الحدود (كما حصل في 2011 عندما تم استقبال آلاف المبعدين القادمين من ليبيا في منطقة الشوشة التي تبعد 10كم على معبر راس اجدير).

و كشف الدايمي ، وهو نائب سابق بمجلس نواب الشعب، أن المعلومات الشحيحة التي يملكها تشير إلى  أن المخيم لن يكون وقتيا بالخيام وإنما سيكون في شكل أحياء من البناءات الخفيفة الثابتة بشكل يسمح بتواصل المخيم لسنوات طويلة.

و لم يقدم القيادي بحزب ” حراك تونس الإرادة ” تفاصيل إضافية حول مصدر المعلومات التي نشرها بصفحته على الفايسبوك.

تطمينات حكومية

و أكّد  والي تطاوين ، عادل الورغي ، أن معتمدية رمادة ستحتضن مخيما لتقديم الدعم اللوجستي للاجئين إلى غاية انفراج الأزمة في ليبيا.

وأوضح الوالي ، في تصريح خاص لموقع مشكال ، أن  المخيم سيكون وقتيا  معتبرا أن السلط الجهوية في تنسيق دائم  مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة.

وأبرز ذات المصدر أن معتمدية رمادة حققت اكتفاءها الذاتي من المياه منذ ثلاث سنوات بفضل تظافر جهود مختلف الإدارات ذات الصلة.

وأبدى السيد عادل الورغي تفهمه لتخوفات نشطاء المجتمع المدني منوها إلى أنه لا مجال لتحويل المخيم إلى منصة لتوطين المهاجرين بدليل أن نسق الأشغال مرتبط أساسا بتطوّر الأوضاع في ليبيا.

قطعة من القمر تزيّن مدينة تونسية

الصورة الرئيسية: صورة لسطح القمر (الصمار، تطاوين) التقطها المصور الفوتوغرافي بلقاسم القمري في ماي 2018 و هي تنشر بترخيص منه. 

قطعة من القمر تزيّن مدينة تونسية

نوفمبر 21، 2019

تطاوين – أشرف الشيباني

تعتبر منطقة “عين شرشارة” بولاية تطاوين، جنوب شرق تونس، إحدى الأماكن المميزة في الجنوب التونسي والتي استمدت اشعاعها من شبهها المُلفت بسطح القمر.

و يشير الديوان الوطني للمناجم ، وهي مؤسسة حكوميّة ، إلى أنّ  عمر هذا الموقع يتجاوز   200 مليون سنة  ، ما يجعله متزامنًا مع  العصر التّرياسي الذّي شهد ظهور الديناصورات ، و  التي تُبرز الحفريات أنّها كانت تعيش بالمنطقة.

و يرجع الباحث الحبيب علجان هذه الخصوصية إلى تموقع المنطقة  في منخفض يتميز بوجود طبقة جيولوجية تجمع بين عيون المياه والتراب والرمال المتحجرة، وهو ما ساهم في انجراف المياه و تكوين تلك الصخور.

و أوضح علجان، في تصريح ل” مشكال”، إنّ الأكوام الترابية المتحجرة الموجودة بمنطقة عين شرشارة تكوّنت تدريجيًّا بسبب انجرافات مائيّة رافقها هبوب الرياح على مر أكثر من 200 مليون سنة، لافتًا إلى أنّ اللّون الأحمر الداكن للصخور مُستمد أساسًا من مزيج التّربة والطين.

 صورة لسطح القمر (الصمار، تطاوين) التقطها المصور الفوتوغرافي بلقاسم القمري في ماي 2018 و هي تنشر بترخيص منه

و رغم أهميّته التاريخيّة، كان الموقع حتّى الأمس القريب مُهملا قبل أن يلاحظ سكان المنطقة جماليته ليُقرّروا تسويقه لاستقطاب السيّاح التونسيين والأجانب. كما تغير اسمه من ” سبخة عين الشرشارة” إلى ” سطح القمر” بالنظر إلى أهمية اختيار اسم مناسب لجذب المتابعين.

 و كشف الكاتب العام لجمعية القصور السهلية بالصمار، الهادي بن جديان، في تصريح ل” مشكال”، أنّ الموقع كان مجهولاً إلى غاية سنة 2016، عندما زاره عدد من العلماء والباحثين في الجيولوجيا و لاحظوا التشابه الكبير بينه و بين سطح القمر.

واكتشف الهادي، يوم 15 أكتوبر الماضي، منطقة أخرى بنفس الخصائص الجيولوجية أطلق عليها اسم “سطح القمر 2»، وهي أكبر مساحة وأكثر تنوعا من حيث تنوع ألوان صخورها أشكالها.

 صورة لسطح القمر (الصمار، تطاوين) التقطها المصور الفوتوغرافي بلقاسم القمري في ماي 2018 و هي تنشر بترخيص منه

وفي غياب دعم رسمي لسطح القمر، تكفل الهادي بإعداد لافتات توجيهية لإرشاد الزائرين حول طرق الوصول إلى الموقع.

و يعتبر نشطاء المجتمع المدني أنّ الموقع لا يحظى بالعناية الكافية من طرف السلطات الحكوميّة ، مُطالبين بإدراجه  في المسلك السياحي لتوفير مواطن شغل إضافيّة لسكان الولاية ذات نسب البطالة الأعلى في تونس.

صورة لسطح القمر (الصمار، تطاوين) التقطها المصور الفوتوغرافي بلقاسم القمري في ماي 2018 و هي تنشر بترخيص منه

وأكد الناشط المدني أيوب بوخشم أن النشاط السياحي  بمعتمدية الصمار شبه منعدم وهو ما يجعل اكتشاف “سطح القمر” فرصة سانحة لبث روح جديدة في هذه المنطقة وخلق مواطن شغل جديدة بها.

وأضاف بوخشم ، في تصريح ل”مشكال”، أن التجارب السياحية الناجحة في تونس انطلقت من خلال مشاريع صغرى عبدت الطريق نحو التعريف بوجهات كانت مغمورة حتى الأمس القريب.

شباب تونسيون يفصحون عن أسباب اختيارهم التصويت لائتلاف الكرامة

الصورة الرئيسية: صورة لسيف الدين مخلوف، الناطق الرسمي باسم ائتلاف الكرامة. تمت مشاركتها على الصفحة الرسمية لائتلاف الكرامة على الفايسبوك في 10 أكتوبر، 2019.

شباب تونسيون يفصحون عن أسباب اختيارهم التصويت لائتلاف الكرامة

أكتوبر 16، 2019

تطاوين – أشرف الشيباني

سجّلت نتائج الانتخابات التشريعية، التي جرت يوم 6 أكتوبر الماضي. في تونس، صعودًا لافتًا لائتلاف الكرامة، الذي نافس بقوة في معظم الدوائر الانتخابية.

و تمكّن الائتلاف من الحصول على 21 مقعدًا في البرلمان الجديد، وفق النتائج الأولية التي أعلنت عنها الهيئة  العليا المستقلة للانتخابات ، ليحتل المرتبة الرابعة بعد كل من حركة النهضة وحزب قلب تونس والتيار الديمقراطي على التوالي.

و” ائتلاف الكرامة“ هو تحالف سياسي وانتخابي تونسي تشكَّل في فيفري الماضي، من قبل عدة شخصيات سياسية ومستقلة، إلى جانب أحزاب سياسية أخرى أهمّها حزب جبهة الإصلاح التونسي، والمؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب العدالة والتنمية.

ويسعى “ائتلاف الكرامة“ » إلى توحيد القوى الثورية لتحقيق أهداف الثورة التونسية التي لم تكتمل بعد” حسب وصف مؤسسيه.

ويُعرف المحامي سيف الدين مخلوف، الناطق الرسمي بإسم الائتلاف،  بالمرافعة عن المتهمين بقضايا الإرهاب ويصف البعض خطاباته و تصريحاته بالمتشدّدة.

وذاع صيت مخلوف مرشح ائتلاف الكرامة لانتخابات الرئاسة السابقة لأوانها،  بعد أن احتل مرتبة متقدمة في انتخابات الرئاسة متقدما على شخصيات من الحجم الثقيل على غرار محمد عبو وعبير موسي والمهدي جمعة ، الأمر الذي جعل  الأنظار تصوّب  نحو هذا التحالف السياسي الناشئ.

وأحرز مخلوف ، البالغ من العمر44 عاما، على الماجستير في علوم الإجرام من كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس وهو محام منذ سنة 2009 ومرسم لدى الاستئناف منذ سنة 2011.

صعود صاروخي

و في ولاية تطاوين بالجنوب التونسي، التي يتصدّر شبابها معدلات البطالة على المستوى الوطني، لم يواجه الائتلاف المحافظ صعوبة تذكر لحجز إحدى المقاعد الأربع بعد أن جمع 3731 صوتا، خصوصا من الشباب.

و بدت بوادر الصعود بيّنة في تطاوين منذ الانتخابات الرئاسية في دورها الأول، حيث تصدر سيف الدين مخلوف نسب التصويت جهويّا متجاوزا عبد الفتاح مورو، مرشح حركة النهضة ، وهو ما رسّخ تواجد هذا التحالف السياسي  بقوة في الولاية الحدوديّة.

وقال الشاب محمد الغفاري ، في تصريح لموقع “مشكال ” ، أنّه قدّم صوته للائتلاف لأنه ” ذو نفس ثوري ولا يمت بصلة للمنظومة القديمة.”

وأضاف الغفاري ، البالغ من العمر 20 عاما ، أن البرنامج الانتخابي  لائتلاف الكرامة “صيغ بعناية ويتضمن أهدافا قابلة للتحقيق”  ، حسب تعبيره.

و كشف محمد ، الذي قام بالتصويت للمرة الأولى في حياته، أنّه اتّخذ قرارا بالتصويت للائتلاف بعد أن حضر اجتماعا  شعبيّا عقده سيف الدين مخلوف في تطاوين في أواخر حملته للانتخابات الرئاسية.

من جهتها، كشفت أماني بوجناح أنها قررت منح صوتها للائتلاف لأنه ” نجح في وقت وجيز في  تجميع رموز التيار الثوري بمختلف انتماءاتهم الأيديولوجية في مشروع موحّد .”

وأبرزت أماني، البالغة من العمر 25 عاما، أنها صوتت لحزب حركة النهضة في انتخابات 2014، لكنها قرّرت منح ثقتها لحزب جديد ” أكثر التزاما بالخطّ الثوري”، حسب تعبيرها.

في حين أكد الشاب وسيم التيجاني ، ذو الثامنة والعشرين ربيعا، أن قرار تصويته لائتلاف الكرامة نابع من استيائه من “فشل الأحزاب الكبرى في تحسين ظروف عيش المواطنين”، حسب قوله.

وأكد وسيم ، في تصريح لموقع “مشكال ” ، أن معظم من استشارهم نصحوه بهذا التحالف  الذي “ينقل نبض الشارع بكل أمانة ويبدوا خطابه سلسا وواضحا.”

و لم يسبق لوسيم التصويت خلافا لمحمد بن جديان، البالغ من العمر32 عاما، والذي يصوت للمرة الثالثة وانتخب في كل مرة حزبا جديدا.

ومنح محمد صوته لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية سنة 2011 ولنداء تونس سنة 2014 لكنه قرر التصويت لائتلاف الكرامة – رغم أنه لا يعرف حتى اسم رئيس قائمته – لأنه   سمع أصداء طيبة عنه في محيطه العائلي.

و كشف المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي ، أن ائتلاف الكرامة قد استقطب قسما من قواعد حركة النهضة التي تآكلت شعبيتها بسبب تجربة الحكم.

وأضاف الجورشي ، في تصريح لموقع “مشكال”، أنّ خطاب هذا التحالف “أقل انفتاحا وبراغماتية من حركة النهضة وأوثق صلة بالفكر الديني وهو ما يفضله قسم محترم من الشباب في تونس.”

وشدّد الجورشي على أن ائتلاف الكرامة نفض الغبار عن “خطاب الثورة” الذي غاب خلال الفترة السابقة ما جعله يبدو أكثرها تمسكا بمبادئ الثورة ومكتسباتها.

و أعلن ”ائتلاف الكرامة“ التونسي، يوم الخميس الماضي، أنه تلقى دعوة رسمية من حزب حركة النهضة متصدر نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، للاجتماع من أجل الدخول في مشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية.

في تطاوين: جمعية محلية تنظم مناظرات هي الأولى من نوعها قبل الانتخابات التشريعية

الصورة الرئيسية: التقطت هذه الصورة يوم 19 سبتمبر 2019، اليوم الأول للمناظرات. قدمت هذه الصورة من جمعية الدفاع عن حقوق الانسان بتطاوين و هي تنشر بترخيص منهم.

في تطاوين: جمعية محلية تنظم مناظرات هي الأولى من نوعها قبل الانتخابات التشريعية

سبتمبر 25، 2019

تطاوين – أشرف الشيباني

بعد أن تصدرت تونس عناوين الصحف العالمية بتنظيمها لمناظرة بين المرشّحين للانتخابات الرئاسية، انتقلت عدوى هذه المبادرة الديمقراطيّة إلى ولاياتها الداخلية ، حيث نظمت جمعية محلية بولاية تطاوين  مناظرات هي الأولى من نوعها بين المترشحين للانتخابات التشريعية.

و نُظّمت المناظرة التي بدأ الإعداد لها منذ شهر أوت الفائت ، في مقرّ جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان ،على امتداد أربعة أيام (19 سبتمبر إلى غاية 22 سبتمبر 2019) قام خلالها المرشّحون بالإجابة عن أسئلة متنوعة اختيرت على أساس القرعة يطرحها صحافيّان يُديران الحوار وفقاً للتوقيت المحدّد.

و طرح الصحفيون الذين يعملون في إذاعة تطاوين أسئلة شملت مجالات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية وصلاحيات النائب والوضع الحقوقي بالجهة رَدّ عليها المشاركون على امتداد ساعتين.

و كشف رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان ، زياد الحاجي، في تصريح ل “مشكال”، أنّه تمّ توزيع المرشّحين للتناظر خلال أربع أمسيات  ، لافتا إلى أن 34 ألف شخص شاهدوا المناظرات التي بثتها الجمعية من خلال بث مباشر عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي ” فايسبوك”.

وأشار الحاجي إلى حضور 24 ممثلا عن 32 قائمة مترشحة منوها إلى رفض بعضهم الحضور ، في حين تعذر الأمر على آخرين لظروف خاصة.

و شدد رئيس الجمعية على افتخاره بمشاركة فريق تصوير من أبناء الجهة لنقل صورة حية لهذه المناظرة التي تمثل مرحلة مهمة أياما قليلة قبل انتخابات تشريعية يصعب التكهن بنتائجها.

و يقرّ المشاركون في المناظرات بدور هذه الأخيرة في منحهم مساحة للتعريف ببرامجهم وتأكيد جاهزيتهم لوظيفة النائب.

وأبرز الشاب عبد الرحمان القاصر ، الذي يترأس قائمة وفاء (مستقلة) ، أن هذه المبادرة غير المسبوقة أتاحت للناخبين فرصة التعرف على الزاد المعرفي للمترشحين خصوصا أنهم يجيبون عن أسئلة سحبت عن طريق القرعة.

من جهته ، اعتبر رئيس قائمة حركة نداء تونس ، الحبيب عويني ، أن هذه المناظرة استكمال للممارسة  الديمقراطية الراقية للتعريف بالمترشحين والتي انطلقت مع الانتخابات الرئاسية ، مشيدا بدور جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في تمكين أهالي تطاوين من مواكبة مختلف البرامج و تسهيل عملية اختيار المترشح الأنسب.

وستتنافس 32 قائمة على أربع مقاعد في مجلس نواب الشعب من خلال انتخابات تشريعية ستحتضنها تطاوين ، كسائر ولايات البلاد، يوم 6 أكتوبر المقبل.

الأمازيغ في تونس: حضارة عريقة وتجاهل حكوميّ

الصورة الرئيسية: إحدى المساكن الجبلية التي يقيم بها الأمازيغ (توقيت إلتقاطها غير محدد). الملكية الفكرية: الجامعة المهنية للسياحة الأصيلة – وجهة الظاهر 

الأمازيغ في تونس: حضارة عريقة وتجاهل حكوميّ 

سبتمبر 1، 2019

تطاوين – أشرف الشيباني

يلاحظ زوار تونس التأثير اللافت للحضارة الأمازيغية على ثقافة البلد. فالآثار منتشرة في كل مكان، في الطعام، حيث “الكسكسي” وهو الطبق المميز في البلاد ، والوشم على ذقون التونسيات كبار السن (على الجبين والخدين كذلك) ، والملابس التقليدية ، والرموز المنحوتة  على مساجدها وقبابها شواهد على عراقة هذه الحضارة الموغلة في القدم. وهو ما قادني لأستكشف إحدى القرى الأمازيغية التي صمدت معالمها أمام زحف الزمن.

رافقني الشاب رؤوف الطالبي ، الذي يدير دارا للضيافة بمنطقة الدويرات المجاورة، لزيارة ” شنني” ، وهي قرية أمازيغية تقع في محافظة تطاوين في أقصى الجنوب التونسي.

لم يكن بلوغ مرادنا سهلا ،  فالمسالك الجبلية الوعرة والمنحنيات الخطيرة كثيرة، وبعد مسير يصل إلى نصف الساعة بسرعة منخفضة بشكل دائري صعودًا من سفح الجبل نحو أعلاه، ينتهي بك المسير في ساحة واسعة يحيط بها من كل جانب مساكن اتخذت من الجبل موطنا.

ومن خلال تجاذب أطراف الحديث مع خمسة من السكان الأصليين، الذين يتحدثون بالعربية مع “الغرباء”، أكدوا لي تمسكهم بلغة الأجداد، فالطفل هناك يُلقّن الأمازيغية قبل العربية، كما أن لغة التخاطب فيما بينهم تكون في أغلب الوقت بها، واللافت أنه رغم أن الجنوب التونسي يتميز عن الشمال بال (ڨ) عوض القاف ،  يتحدث الأمازيغ  العربية العامية بلهجة تقترب كثيرا  من لهجة أهل الشمال.

يكشف لي عدد ممن تحدثت إليهم  حزنا دفينا لدى أمازيغ تونس  وهم يشاهدون أعدادهم تتضاءل وثقافتهم تندثر على مر السنين، وهو ما جعلهم يتخلون  عن عادات أجدادهم وآبائهم من أجل التكاثر.

” أصبح أبنائنا أقل حفاظا على موروثنا الغذائي والحضاري الأمازيغي منذ انتشار الزواج المختلط”، يقول لطفي الميساوي ، أحد سكان شنني ل”مشكال”.

ويضيف لطفي:” إلى غاية ثمانينات القرن الماضي، كان الزواج من خارج المجتمع من المحرمات في المجتمعات الأمازيغية. لكن، مع مغادرة المزيد منهم لبلداتهم والرحيل إلى العاصمة وغيرها من المدن، أصبح الزواج المختلط أكثر شيوعا. بعض الأمازيغ، لا يزالون يعارضون الزواج من شخص من خارج المجموعة. متعللين بأن  هذا سيتبعه بالضرورة فقدان الثقافة واللغة، حيث إن الوافدين الجدد لن تكون هناك ألفة بينهم وبين التاريخ والتقاليد الأمازيغية. “

و كشف رؤوف أن بعض العائلات الأمازيغية تمنع بناتها من الزواج من شباب عربي، كآلية للحفاظ على لغتهم وخصوصيتهم، وثقافتهم، وعدم نشر خصوصياتهم في باقي المناطق التي لا تعترف بهم، ولضمان عدم تحفيظ لغتهم للغرباء حسب اعتقادهم، حتى أن بعض الأمازيغ يعتبرون زواج أمازيغية بـ”تبيت” أي غريب جريمة في حق لغتهم.

Photo of an ancient mosque in Chénini. Photo by Belgacem al-Guemri, republished by Meshkal with his permission.

على المستوى الثقافي، يعتبر الأشخاص الذين تحدثت إليهم أن الأمازيغ هم أول من أدخل الأوشام التي ترسم على الأجساد إلى دول المغرب العربي، فالوشم كان إحدى مميزات النساء في قديم الزمن عند النساء الأمازيغيات ويرمز إلى الأنوثة والخصب فتعتبر المرأة الواشمة كامرأة ناضجة للزواج. و وقال محمد ، وهو أحد أبناء المنطقة ويعمل دليلا سياحيا ، أن الأوشام تنتشر في جسد المرأة الأمازيغية خصوصا على الوجه واليدين والرجلين، ويتميز الوشم الأمازيغي بكونه تقليدا طقوسيا مرتبطا بالنظام القيمي والثقافي يتأتى من عالم من الرموز والعلامات والقوانين التي يقصد بها الإنتماء إلى هويته المتجذرة في التاريخ، كما كان ذا دلالة دينية تبعد الأرواح الشريرة والحسد وتجلب الحظ السعيد، ويوضع على جسد المرأة  الجاهزة للزواج كدليل على أهليتها لهذا العقد المقدس وقدرتها على تحمل اعباء الزوجية وهي التي تحملت وخز الإبر، إلا أن بمرور الزمن تعمد عديد النساء اللاتي يحملن وشوما إلى محاولة ازالتها خصوصا على الوجه وذلك لإعتبارهن لها كعلامة تشويه أو لاعتبارات دينية إذ يؤمن البعض أن الإسلام يحرم الأوشام.

Amazigh inscriptions one the side of a hilltop fort in the mountainous Jebel Dahar region (date of photo unknown). Photo Credit: The Technical University for Authentic Tourism

في هذا الإطار، قال لنا رؤوف أن الموروث الأمازيغي يشدد على  أن الوشوم “تبعد الأرواح الشريرة وتبطل السحر، وتبعد الفقر والبؤس، عن طريق الرسوم والرموز التي توضع بدقة متناهية، ويحمل كل منها دلالة أو غرض من الأغراض سالفة الذكر”، حسب تعبيره.

ويسرد الدكتور و الباحث التونسي فتحي بن معمّر ل ” مشكال” فصولا أخرى من التقاليد الأمازيغية على غرار  طقوس طلب المطر والمعروفة في مناطق تونسية عديدة باسم «امك طنبو»، هي عبارة عن قطعة خشب في شكل قاطع ومقطوع، يُزينها الأطفال بقطع من القماش ويجوبون بها منازل قريتهم وهم يغنون طلباً لنزول المطر، إضافة إلى الطقوس الأخرى كطقوس الزواج، فالعروس تتجلى في لباسها التقليدي وهي مرصعة بالحلي الأمازيغي واضعة يديها على وجهها، لتكشفه تارة وتخفيه تارة أخرى تجسيداً للآلهة «تانيت» آلهة الخصب والرضاعة التي عبدها الأمازيغ قديماً، باعتبار أنّ العروس ستصبح امرأة مرضعة.

تجاهل حكومي

تكشف إحصاءات  غير رسمية أن عدد الأمازيغ في تونس يناهز 500 ألف، أي خمسة بالمئة من العدد الإجمالي لسكان البلاد ،  لكنّ حضورهم في المشهد السياسي شبه منعدم و تغلق الدولة الباب أمام أية مطالبات بأدراج لغتهم في المناهج الدراسية .

وأكد أستاذ القانون الدستوري رابح الخرايفي ، في تصريح ل”مشكال ،  أن الحكومات التونسيّة المتعاقبة  حرصت على منع تداول اللغة الأمازيغية  لتكريس” هويّة عرقيّة متجانسة” للشعب التونسي ، مشيرا إلى  أن الدستور التونسي الجديد لم يتطرّق  في أي من فصوله إلى الأمازيغ، واكتفى بالتأكيد على “عروبة تونس وإسلامها”.

وأضاف الخرايفي ، الذي كان أحد نواب المجلس التأسيسي ، أن ” قضية الأمازيغ لم تحظى باهتمام كبيرو لم يقع اعتبارها مشكلة في حد ذاتها في أروقة البرلمان. “

ويقول رئيس الجمعية التونسية لثقافة الأمازيغ، جلول غاقي“ أنّ رؤساء تونس قبل الثورة قمعوا اللغة الأمازيغية بدعوى أن الحفاظ على وحدة البلاد تعتمد على لغة مشتركة“.

وتأسست الجمعية التونسية لثقافة الأمازيغ  ،ومقرها تونس ، في جويلية 2011، وهي تهدف إلى ” المحافظة على العادات  والتقاليد الأمازيغية التونسية الأصيلة.”

من جهتها، تؤكد الناشطة التونسية مهى الجويني ، و هي من أشهر المدافعات عن حقوق الامازيغ في المغرب العربي ،ان تعامل الحكومة التونسيّة مع الملف الامازيغي اتسم بكثير من الغموض.

و توضح الجويني  ” كلّما التقينا بمسؤول إلا ووعد بحل ملف الأمازيغ وأقر بأننا أصل البلاد وروح أرضها ، ولكن ما إن نمر على أرض الواقع لا نجد شيئا رغم أنّ مطالبنا تصب في باب التعدد والإعتراف بالأمازيغ كمكون ثقافي بتونس”.

ومؤخرا، عبرّ أمازيغ تونس عن رغبة في خوض غمار التجربة السياسية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، عبر كيان سياسي يمثل هذه الأقلية التونسية، إلا أنهم فشلوا في الحصول على التراخيص اللازمة.

وأعلنت حركة “اكال” الأمازيغية التحول من حركة ثقافية إلى حركة سياسية ناطقة باسم الأمازيغ، وقالت الحركة انها “ستكون حزباً ديمقراطياً تقدمياً اجتماعياً، وأنها ستدافع عن التنوع الإنساني والحضاري في تونس وتجعل من أمازيغيّة شمال أفريقيا مرجعيّة رئيسيّة في تصوراتها”. و لكن رغم إعلان “أكال” في ماي انها ستشارك في الانتخابات التشريعية في شهر أكتوبر من هذا العام، فإن القائمة النهائية للأحزاب الفاعلة وفقا للهيئة العليا المستقلة للانتخابات لا تحتوي على إي قوائم انتخابية تشارك تحت اسم “اكال”.

عبور الليبيين إلى تونس يشعل أسعار الإيجارات

الصورة الرئيسية: اعلانات عقارية في تونس في جريدتين، جويلية 27، 2019. تصوير فاضل علي رزا.

عبور الليبيين إلى تونس يشعل أسعار الإيجارات

جويلية 28، 2019

تطاوين – أشرف الشيباني

مع دخول فصل الصيف، تشهد المحافظات الحدودية التونسية ارتفاعا لافتا في أسعار الإيجارات السكنية في ظل توافد عدد كبير من الليبيين عليها هربا من المعارك الدائرة بين قوات خليفة حفتر و قوات حكومة الوفاق الوطني.

وشدّد ثلاثة وسطاء إيجار تحدثوا ل “مشكال” أن الإقبال القياسي لليبيين على المدن التونسية منذ احتدام المعارك قبل أشهر ساهم في رفع أسعار إيجار المنازل بشكل غير مسبوق في ظل الاختلال الكبير بين العرض والطلب.

وكشف وسيط الإيجارات سامي الرقيعي أن إيجاد منزل شاغر للإيجار خلال هذه الفترة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش وهو ما جعل الأسعار ترتفع بشكل ملحوظ.

وأشار الرقيعي ، في تصريح ل”مشكال”، إلى أن العديد من النازحين يأتون لأغراض علاجية، بعد إصابة أفراد من عائلاتهم في الاشتباكات، لافتا إلى أن مدة العلاج تحدد إقامتهم في تونس وطلبهم على نوعية ومدة الإيجار.

وأبرز وسيط الإيجارات المقيم في مدينة بن قردان الحدودية أنّه يعمل بصفة حرة ، مضيفا أن 80 % من حرفائه ليبيون استقطبهم بفضل شبكة علاقاته الواسعة منذ مزاولته لهذه المهنة قبل خمس سنوات.

ولا تخضع أسعار إيجارات المنازل في تونس إلى قانون يحدّد سقفها حسب المدينة أو البلدة الذي توجد فيه تلك المحلات المعدّة للإيجار أو حسب مواصفاتها، بل تبقى المسألة تقريبية وبيد المالكين الذين يبالغون أحيانًا في الرفع من الأسعار حدّ الشطط، مستغلين بذلك الحاجة الملحّة للوافدين لمكان يأويهم.

وقال الشاب الليبي ، جلال الفاخري ، أن أسعار الإيجار ترتفع فجأة عندما يكون الحريف من ليبيا ، مشيرا  إلى أنه تعرض إلى مساومات عديدة من الوسطاء أو مالكي المنازل عندما تضطره الظروف إلى تمديد إقامته بتونس.

و تابع الفاخري ، في تصريح ل”مشكال”، أنّ غياب السيولة في المصارف الليبية جعل المواطن بين مطرقة الحاجة إلى التوجه إلى تونس للعلاج وسندان أسعار الإيجار الباهظة.

و شدّد الشاب، الذي ينحدر من مدينة سرت، على أن تنقله المنتظم بين مختلف المصحّات التونسية لعلاج والده جعله حريفا دائما لدى وسطاء الإيجار خصوصا في العاصمة.

و يعتبر الخبراء أن هذا الإقبال الكبير للبيبين على المدن الحدودية التونسية ظاهرة ظرفية تغذيها عدة عوامل.

وأبرز الخبير الاقتصادي و وزير المالية الأسبق ، حسين الديماسي ، أنّ ” التعديلات التي أجرتها تونس على امتلاك المنازل فسحت المجال أمام أعداد هامة من الليبيين للاستقرار بها.”

وأصدرت تونس قرارا   يمنح الليبيين حق شراء عقارات من دون طلب ترخيص الولاية (السلطة المحلية) على ألا يشمل الإعفاء العقارات ذات الصبغة الفلاحية (المخصصة للزراعة).

وأضاف الديماسي ، في تصريح خاص ل”مشكال” ، أن ” التقاليد المشتركة للبلدين جعل مسألة الهجرة الظرفية لليبيين ظاهرة مألوفة لدى الشعب التونسي ، و إن ساهمت الاشتباكات المسلحة في رفع وتيرة النزوح إلى تونس.”

من جهته، اكد وسام غربال ، عضو الديوان السابق بوزارة التكوين المهني و التشغيل و المدير التنفيذي الحالي لمؤسسة استشارات ، أن هذه الظاهرة وقتيّة في ظل ” الأزمات المالية التي أصبح يعاني منها المواطن الليبي الذي انخفض دخله السنوي إلى حدود 5000 دولار سنويا.”

وتابع غربال ، في تصريح ل” مشكال” ، أن “الليبيين يعانون صعوبات معيشية أثّرت على قدرتهم على الإنفاق على عكس ما كان الوضع عليه إبان السنوات الأولى للثورة، مما يلغي إمكانية قفز أسعار الإيجارات لفترة طويلة”.

ولا تفرض السلطات التونسية على الليبيين تأشيرة الدخول إلى أراضيها، الأمر الذي جعل تونس الوجهة الأقرب والأنسب لهم للاستشفاء والسياحة.

ويخلق تدفق الليبيين على تونس حركة اقتصادية كبيرة لمختلف القطاعات. وبحسب بيانات رسمية لغرفة المصحات فإن نحو 380 ألف مريض أجنبي يعالجون سنوياً في تونس،  فيما يصنف السائح الليبي من بين أكثر السياح إنفاقا.

الاحتفال بتونس كنموذج لحقوق الانسان رغم استمرار الانتهاكات

الصورة الرئيسية: متظاهرون مجتمعون للتنديد بالتعذيب و إفلات المسئولين عن  التعذيب من العقاب ،يوم 26جوان 2019،اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب ،أمام المحكمة الابتدائية بتونس. صورة التقطت من طرف: فاضل علي رضا

الاحتفال بتونس كنموذج لحقوق الانسان رغم استمرار الانتهاكات 

الخميس، 11جويلية ،2019

تونس، فاضل علي رضا

في يوم السبت 28 جوان 2019، توفي بائع خضراوات   في  معتمدية بوحجلة من ولاية القيروان ،بعد ان فقد  وعيه أثناء قبوعه في مركز الامن ،حيث احتجز  بسبب مشادة كلامية مع الشرطة ، وفقا لبيان اصدرته وزارة الداخلية بعد يوم من وفاته.

وكشفت إذاعة “موزاييك أف أم” المحلية أن عائلة المتوفي تتهم الشرطة بتعذيبه.

وفي وقت لاحق ، أشارت  السلطات التونسية إلى قيامها بفتح تحقيق في الحادث ، إلا أنها لم تنشر تفاصيل أخرى إلى الرأي العام.

و في السنوات الاخيرة ،بقيت تفاصيل العديد من التحقيقات التي تم الإعلان عنها رسميا  في انتهاكات حقوق الانسان المزعومة طيّ الكتمان،  بعد الإعلان العلني الأولي .

لم يسترعي هذا الحدث أي انتباه في الأخبار الدولية، و مر مرور الكرام كخبر عابر تناقلته بعض وكالات الأنباء المحلية على نطاق ضيق .

ولكن بعد أقل من أسبوع من وفاة الرجل في مركز الشرطة ، تلقت حقوق الإنسان في تونس تغطية إخبارية دولية ، وهو ما جعل القضية تأخذ منحى إيجابيا.

 وكانت مناسبة التغطية هي  الزيارة  الرسمية إلى تونس من 11 إلى 13جوان، التي قامت بها  المفوضة السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة ، ميشيل بأشيليت، التي تزامنت  مع المؤتمر الدولي  “رايتسكون “، الذي يصفه منظموه بانه مؤتمر سنوي حول “حقوق الإنسان في العصر الرقمي. “

واعتبرت باشيليت ، وهي أيضا الرئيسة السابقة لشيلي ، في اجتماع ثنائي مع فاضل محفوظ ، الوزير المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان ، إن تونس “نموذج مهم للغاية في المنطقة ، و في مناطق أخرى أيضا.”

 وقالت  باشيليت لمحفوظ في اشارة لخطاب الرئيس التونسي ،الباجي قايد السبسي،  في الدورة الأربعين العادية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة “أعتقد أنه كان مهما للغاية عندما تحدث الرئيس [التونسي] في الجلسة التي عقدت في مارس ، وتحدث بالعربية أولاً لشرح ما كانت تونس تفعله لأصدقائها العرب ، و للدول الإسلامية لكي يقول ان بإمكانهم تحقيق ما حققته بلاده ” .

وخلال الاجتماع الذي استمر ساعة ، قدم محفوظ إلى باشيليت هدية: لوحة تضمنت صورة لمحفوظ و هو يتسلّم  جائزة نوبل للسلام في عام 2015. آنذاك ، كان محفوظ  رئيس نقابة المحامين التونسيين ، وهي واحدة من أربعة منظمات للمجتمع المدني التونسي التي شكلت اللجنة الرباعية الوطنية التونسية للحوار والتي منحت جائزة نوبل لدورها في الحفاظ على ” عملية التحول الديمقراطي ” في تونس .

Fadhel Mahfoudh, the Prime Ministry’s chief appointed official in charge of relations with constitutional bodies, civil society and human rights organizations, presents a plaque with a photo of himself accepting the Nobel Peace Prize to UN High Commissioner for Human Rights Michelle Bachelet during a bilateral meeting in Tunis on June 12, 2019. Photo by Meshkal news team.

[ فاضل محفوظ ، الوزير المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان ، يعرض لوحة مع صورته لدى استلامه جائزة نوبل للسلام إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة  ميشيل باشيليت خلال لقاء ثنائي في تونس يوم 12 جوان  2019. تصوير فريق مشكال الإخباري.]

وخلال اجتماعهم ، طرحت باشيليت قضايا المساواة في الميراث بين الجنسين وحقوق المثليين.  ولكن لم يتطرق أي من الطرفين إلى مسألة التعذيب أو استخدام القوة ضد المتظاهرين المسالمين.

علما ان قبل شهرين، وفي تقريرها النهائي الذي صدر في أفريل ،  قامت لجنة الحقيقة والكرامة المكلفة من الدولة بكشف انتهاكات الدولة لحقوق المواطنين على مدى أكثر من 50 سنة الماضية، و اتهمت الرئيس التونسي ،الباجي قائد السبسي ،بالتورط في التعذيب المنظم عندما كان وزير للداخلية في عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة  (1957- 1987) في أواخر الستينيات. وليس من الواضح ما إذا كان قد تم تقييم هذا الاتهام من قبل المدعين العامين للدولة أو ما إذا كانت اللجنة قد أوصت بأن يقوم المدعون العاميون للدولة بفتح قضية بشأن هذه الاتهامات.

التعذيب والإفلات من العقاب

ويشعر بعض ضحايا التعذيب الذي مارسته الدولة في العقود الماضية بالاضطراب لاستمرار إفلات المسئولين من العقاب.

وفي 26 جوان 2019، بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، سار العديد منهم مع ناشطين آخرين بداية من “قصر العدالة ” -الذي يضم المحكمة الابتدائية بتونس إلى حطام سجن 9 أفريل ، المشهور بالتعذيب، والذي هدم  سنة 2009.

Demonstrators gather to denounce torture and impunity for those responsible for torture on June 26, 2019, the International Day in Support of Victims of Torture, in front of the court of first instance in Tunis. Photo by Fadil Aliriza

[متظاهرون يجتمعون للتنديد بالتعذيب وإفلات المسئولين عن التعذيب من العقاب في26جوان 2019 ، اليوم الدولي لدعم ضحايا التعذيب ، أمام المحكمة الابتدائية في تونس – تصوير فاضل علي رضا .]

أمضيت عامين في هذا المكان، في زنزانة صغيرة. وكان سجن داخل سجن ” هذا ما  رواه عمران علوان  لعشرات من الاشخاص الذين اجتمعوا على انقاض السجن السابق، والذي أصبح الان موقف للسيارات محاط  بحطام المبنى.

و تحدث علوان، و هو عضو سابق في الحركة اليسارية “العامل التونسي” أو ” بيرسبيكتيف” والذي اعتُقل في أوائل السبعينيات بسبب معتقداته السياسية ، لمدة خمس دقائق ، وأدلى بشهادته أمام زملائه في السجن السابقين الذين لم يكن يعرفهم حينذاك. بقيت عيون علوان مغلقة ، وتنفسه متقطعا ، وتوقف حديثه بوضوح على فترات قصيرة بسبب الانفعال.

وانتقل علوان خلال سرده للأحداث من الحديث عن النفس  الى الحديث عن الآخر، ولم يكن سرده للأحداث الصادمة متواصلا، إذ أُذن له بالكلام بعد ان تحدث  العديد من القضاة والمحامين والناشطين وغيرهم من ضحايا التعذيب.

Former political prisoner Omrane Allouane recounts the conditions in the April 9 prison on the grounds of the now razed prison on June 26, 2019. Photo by Fadil Aliriza

[السجين السياسي السابق عمران علوان يروي ظروف الإقامة في سجن 9 أفريل على أنقاض السجن الذي هدم في 26 جوان 2019 . تصوير فاضل علي رضا.]

“كانوا يعيشون التعذيب اليومي على مدار ال24 ساعة، ونحن جميعا نشعر بهذا الأمر ، عندما يسقط الليل ، في السجن ، في الغرف ، كل واحدة لا تزيد عن متر واحد في مترين ، و في كل غرفة   12شخص من جانب و 12 من الجانب الآخر”. هذا ما قاله علوان ، الذي مُنح العفو في عام 1979 ، لكنه احتُجز فيما بعد تحت الإقامة الجبرية مثل زملائه الآخرين. وتم توثيق قضيته في التقرير السنوي لعام 1980 الصادر عن منظمة العفو الدولية.

أما  راشد جعيدان فقد أمضى 13 عامًا من 1993 إلى 2006 في  سجون مختلفة. أربعة من تلك السنوات كانت في سجن 9 أفريل. وبعد الثورة ، نظرت المنظمات غير الحكومية في قضية جعيدان وساعدته في سعيه لتحقيق العدالة.

و في عام 2017 ، ادانت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة تونس لعدم تحقيقها للعدالة في خصوص هذه القضية.

وهدمت  السلطات التونسية  سجن 9 أفريل “لمحو الحقائق” هذا ما قاله جعيدان لمشكال ، لكنه أصر على “أن هناك الكثير ممن لديهم ذكرى قوية بهذا السجن”.

في حين احال مركز العدالة الانتقالية بتونس عدة قضايا من الماضي إلى محاكم متخصصة ، بما في ذلك قضية جعيدان . كما  رفع هذا الأخير في السابق قضية ضد المسئولين عن تعذيبه بعد انتفاضة 2011 ، لكن تم رفضها في عام 2015 بسبب قانون التقادم. وأدانت منظمة “ترايل أنترناتشنال” العملية القضائية في ذلك الوقت ووصفتها بأنها “تحقيق فاشل ومحاكمة مؤجلة إلى ما لا نهاية”.

و يبدو أن عملية العدالة الانتقالية تستمر إلى ما لا نهاية هي الأخرى. إذ عرقل المسئولون والسياسيون إحالة قضايا المحكمة الجنائية المركزية إلى المحاكم الخاصة وقاموا بانتقاد عملية العدالة الانتقالية بأكملها و اقترحوا وضع حد للماضي من خلال عملية المصالحة. وفي سبتمبر 2017، أقرت الحكومة التونسية قانون المصالحة الذي  ينص على العفو عن عدد من المتورطين في تجاوزات إدارية أثناء فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، كما يتضمن فصولا تتعلّق بإجراء ”مصالحة مالية مع رجال الأعمال المتورّطين في تجاوزات مالية في فترة حكم بن علي“.

“مصالحة؟ ، يجب ان تكشف الحقيقة قبل المصالحة ،والتعويض المعنوي “هذا ما قاله جعيدان لمشكال مصرا على أنه لا يأبه بالتعويضات المادية. ” يجب أن تعترف الدولة بأنها ارتكبت جرائم وان تدفع تعويضات معنوية. لا يمكننا البناء دون تذكر الماضي و اكتشاف الحقيقة “.

ومن بين المتهمين في قضية جعيدان المرفوعة ضد المعتدين عليه ، نجد الرئيس السابق زين  العابدين بن علي، ووزير الداخلية السابق عبد الله القلال ، و المدير السابق للأمن الرئاسي ،علي السرياطي ، وعددا من المسئولين في الأمن والسجون.

و رفض معظم المسئولين الأمنيين  في القضايا المعروضة أمام المحاكم المتخصصة  المثول أمام المحكمة أو لم تصدر مذكرات الاستدعاء بحقهم.

في هذا الإطار، قال جعيدان ” يجب أن تكتمل العدالة الانتقالية وأن تكمل المحاكم الخاصة مهمتها للكشف عن الوقائع  و إظهار الحقائق. [يجب أن يكون هناك اعتذار من الذين  اتخذوا القرارات، اعتذارًا رسميًا و واضحًا. ، ثم بعد ذلك سوف تكون هناك مصالحة «.

وأصبحت مسيرة 26 جوان حدثًا سنويًا تنظمه المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب  منذ عام 2013 ، وفقًا لغابرييل رايتر، مديرة مكتب المنظمة في تونس. ومنذ نهاية عام 2018، قدمت المنظمة الدولية لمناهضة العذيب المساعدة إلى 392 من ضحايا التعذيب و أفراد اسرهم في تونس، وفقا لتقريرها السنوي .

وحسب رايتر ، لا توجد وسيلة لمعرفة مدى التعذيب الذي يمارس حاليًا في تونس، إلا أنها تثق في التأكيدات التي قدمها كبار المسؤولين بأن التعذيب “ليست سياسة الدولة” ، مشددة على أنه” أسلوب مازال يطبق”.

وقال رايتر ، في تصريح لموقع “مشكال” على هامش المسيرة، ” سوء المعاملة والتعذيب يحدثان في السجون التونسية ” و هناك إفلات مطلق من العقاب في ملاحقة هذه الجرائم. لذا فعندما يتعرض الأشخاص للتعذيب ، ما يحدث بعد ذلك هو الانتقام والتخويف من جانب قوات الأمن ، مما يعيق الأشخاص عن تقديم شكاوى” .

 “مؤتمر “الحقوق” في تونس 

لم تكن قضية التعذيب وغيرها من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والإفلات من العقاب في تونس مدرجة في أجندة أي من الجلسات الـ 450 ، معظمها من حلقات النقاش ، التي عُقدت في الفترة من 12 إلى 14 جوان في مؤتمر الحقوق ، وهو مؤتمر دولي جلب آلاف الأشخاص إلى تونس. غير ان المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب نظمت معرض صور  خلال المؤتمر – في فندق ”لايكو” و قصر المؤتمرات – تضمن عشرات من الصور لضحايا التعذيب في تونس يعود تاريخها من فترة الاستعمار إلى فترة بن علي.

وركّز المؤتمر، الذي يستهدف منطقة شمال إفريقيا بصفة عامة وتونس على وجه التحديد، إلى حد كبير على مواضيع ذات صلة  بالتكنولوجيا  على غرار قضايا  قوانين الجرائم الإلكترونية ، و”التكنولوجيا المدنية ،” وصحافة البيانات – ولكن المؤتمر استضاف أيضًا “حفلة تنوع” مع “موجودين” أو “نحن موجودون” ، وهي منظمة غير حكومية تونسية  تعزز حقوق المثليين.

و يقول المنظمون إن الجلسات التي أُدرجت في المؤتمر تعتمد إلى حد كبير على نوع التقديمات التي تلقوها ، لكنهم يحاولون أيضًا التواصل مع المجموعات الأقل تمثيلا.

” تبدو بعض الجلسات وكأنّها غير مكتملة ، لذلك نشعر أن هناكا حاجة أكبر للقيام بحملات توعية إضافية    لأنه قد توجد حواجز تمنع مشاركة هذا الشخص أو تلك الفئة ” حسب تعبير نيكي جلادستون ، مدير برنامج رايتسكون، لـموقع مشكال على هامش المؤتمر.

و بالنسبة للبعض، تعتبر الإمكانيات المادية المحدودة أو عدم الانتساب لشبكة اجتماعية مناسبة أهم عوائق المشاركة.  وقد تم تنظيم مؤتمر رايتسكون من طرف    اكسس ناو ، وهي حسب صفحة “عنا” ، منظمة تم إنشاؤها  على الإنترنت خلال الانتخابات الإيرانية لعام 2009 “لمساعدة الناس العودة إلى الإنترنت وضمان اتصالاتهم الآمنة”. كان المؤتمر التونسي برعاية عمالقة التقنية مثل فايسبوك – الذي منح  100000 دولار أمريكي  – وشركة غوغل التي قدمت 50.000 دولار أمريكي و تويتر و مايكروسفت ووكالات التنمية الحكومية. ويظهر التصريح المالي  لـموقع  اكسس ناو على موقعه على شبكة الإنترنت  أن المانحين والجهات الراعية  قدموا أكثر من 600000 دولار أمريكي لمؤتمر تونس فقط ، رغم  أن قسم التمويلات  للموقع لا يتضمن العديد من الشركات التي أدرجت شعاراتها في صفحة رعاية رايتسكون .

ورغم قيمة هذا التمويل، كلفت التذاكر لحضور المؤتمر لمدة 3 أيام ما يصل إلى 1000 دولار ،كما تكفل  معظم المتحدثين بدفع تكاليف سفرهم وإقامتهم في الفنادق.

ويختلف السعر بالنسبة للتونسيين حسب وظائفهم، حيث تتراوح الأسعار من 225 دينار تونسي لـ “أعضاء منظمات المجتمع المدني / الأكاديميين / والمستقلين ” إلى 450 دينار تونسي.

يُشار إلى الحد الأدنى الإجمالي للأجور التونسية للعاملين غير الفلاحيين يبلغ 403 دينار في الشهر. و وفقًا لدراسة رسمية أجريت عام 2015، أنفق التونسيون في المتوسط 209 دينار شهريًا على المواد الغذائية والإيجار والخدمات العامة والنقل وحدها، و وصل معدل التضخم منذ ذلك الحين بانتظام إلى أكثر من 7 في المائة.

وغرد المحلل السياسي ،محمد ضياء الهمامي ، قبل يوم من المؤتمر:  “لا يمكن لمعظم الباحثين والأكاديميين المستقلين المنتمين إلى جامعات محلية تعاني من نقص التمويل حضور رايتسكون  بسبب السياسة الاستبعادية لمنظمة اكسس ناو ونخبوية المنظمين المحليين ” .

وردت وفاء بن حسين ، مستشارة السياسة المحلية لـ اكسس ناو ، بأنها أعلنت عن خصم في أسعار التذاكر في الإذاعات المحلية وأنها كانت تقدم تذاكر لمن يتصل بها للحصول على تذكرة . ومع ذلك ، فقد تم الاتصال بهمامي من قبل العديد من التونسيين الذين لم يتمكنوا من الحصول على التذاكر بعد محادثتهم على تويتر مع بن حسين .

” صديق يعطي تذاكر للأصدقاء – إنها المحسوبية بعينها عندما تقوم بعملية تصفية  للمشاركة في مناسبات كهذه  من خلال الحواجز المالية ومن ثم تقوم بمنحها لأصدقائك” ، قال همامي لمشكال .

وحسب جلادستون ، حضر حوالي 700 تونسي المؤتمر من بين ما يقرب من 3000 مشارك ، وكانت 70 في المائة من التذاكر مجانية أو منخفضة التكلفة.

وقال جلادستون لموقع مشكال : “مجرد موقع تونس كدولة ديمقراطية جديدة ، ومجرد  أن مركز بدء التشغيل الذي يحدث هنا ، فإن الناس تنظر الى تونس وأردنا هذه الفرصة لعرض الأشياء الرائعة التي تحدث هنا” مضيفا  “ليس من المعتاد  أن تستضيف تونس قمة كبيرة لحقوق الإنسان ، وشعرنا أنه من المهم حقًا توفير هذا المنبر للمنطقة وان نرى كيف يمكننا أن ندعم عندما نكون أقرب قليلاً”.

ومع ذلك ، فإن العديد من النشطاء البارزين في تونس الذين اتصل بهم مشكال والذين لم يحضروا المؤتمر ، كانوا مرتابين من تصنيف رايتسكون لنفسها بآعتبارها حدثا لحقوق الإنسان.

 و تحدث النشطاء إلى مشكال ، مفضلين حجب هويتهم، لأن العديد من زملائهم وأصدقائهم حضروا أو ساعدوا في تنظيم رايتسكون ، ولكن لم يُسمح لهم بالتحدث نيابة عن منظماتهم حول موضوع حقوق الإنسان.

وقال أحد الناشطين التونسيين العاملين في تونس في منظمة غير حكومية دولية في مجال حقوق الإنسان لـ” مشكال “: ” لقد أحسست انه مؤتمر لحقوق الإنسان أكثر منه مؤتمرا للتكنولوجيا ” .

هذا الحدث السنوي ، الذي بدأ في وادي السيليكون في عام 2011 ، يجمع بين التكنولوجيا والحقوق الرقمية وحقوق الإنسان في الأدبيات المنشورة بطرق قابلة لأكثر من تفسير.

وصرح جلادستون قائلا ” أعتقد أن هذا المنبر لا يهدف إلى إقناع الناس بضرورة امتلاكهم للتكنولوجيا طوال الوقت ؛ بل التأكد من تحقيق تكامل بين تطوير التكنولوجيا واحترام حقوق الإنسان “.

و لاحظ الناشط الذي تحدث مع مشكال ، أن زيارة مفوضة الأمم المتحدة باشيليت ، التي تحدثت أيضًا خلال  رايتسكون ، نظمت بطريقة معينة، بداية بلقاء  مع الرئيس التونسي ومسؤولين آخرين قبل مقابلة المجتمع المدني وسماع مخاوفهم. و في رأي هذا الناشط ، كان ينبغي أن تلتقي باتشيل مع نشطاء المجتمع المدني أولاً حتى تثير مخاوفهم خلال الاجتماعات الرسمية.

“يبدو الأمر وكأنه حدث ضخم لحقوق الإنسان في تونس لأنه المكان الوحيد في المنطقة الذي يمكن أن يحدث فيه. ، إنه حقًا خط اتصالات رائع للحكومة.”قال ناشط تونسي ثان يعمل في منظمة غير حكومية دولية مختلفة لحقوق الإنسان ، لمشكال.

كما أعرب الناشط الثاني عن قلقه من أن مفوضة الأمم المتحدة لم تكن حاسمةً بما يكفي بالنظر لسجل” الحكومة التونسية في مجال حقوق الإنسان “.

وبالنسبة لمحمد ضياء الهمامي ، فإن الكثير من الناس يعاملون حقوق الإنسان كمهنة أو عمل تجاري وليس نشاطًا سياسيًا.

وأضاف همامي لـ ” مشكال” لا أعتقد أن بوسعهم تحقيق التغيير المنشود لأن هذا الهدف يتطلب أناسا يكافحون من أجله على المستوى المحلّي.”

ومع  نهاية شهر جوان ، أصدر مكتب آخر للأمم المتحدة ، وهو المقرر الخاص المستقل المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات ، تقريراً عقب الزيارة إلى تونس تضمن تقييمات إيجابية وسلبية.

و مع ذلك ، في انعكاس صارخ لوضعية حقوق الإنسان في تونس ، أدرج المقرر كواحدة من توصياته بأن تضمن  السلطات التونسية ” أن جميع ادعاءات استخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين من قبل قوات الأمن يتم التحقيق فيها على الفور وبشكل شامل ومستقل ، وأنه يجب على الجناة محاكمتهم ومعاقبتهم ، وتعويض الضحايا بشكل مناسب “.

و في يوم الثلاثاء الموافق ل 9 جويلية 2019 ، أصدرت منظمة العفو الدولية بيانًا يدعم توصيات التقرير ، مشيرة بشكل خاص إلى أن “منظمة العفو الدولية تتقاسم مخاوف المنظمات المحلية والدولية، ان من خلال إدخال قوانين جديدة ، تنوي السلطات تقويض الحق في حرية تكوين الجمعيات من خلال الحواجز القانونية والبيروقراطية “، حسب تعبيرها.

الترجمة والتدقيق اللغوي: حنان زريق ، أشرف الشيباني

الوثائقيات الاجتماعية في تونس..التغيير عبر الفيلم؟

الصورة الرئيسية: ملصقات الأفلام المعلقة على واجهة سينما مدار في قرطاج. 24 ماي 2019. تصوير فاضل علي رزا

الوثائقيات الاجتماعية في تونس..التغيير عبر الفيلم؟

 جوان 11، 2019 – فاضل علي رزا

في العرض الثاني للفيلم الوثائقي القصير “ديبورتاتو”، ضمن “مهرجان السينما الاجتماعية” الذي عقد  في تونس العاصمة في شهر ماي الماضي ، لم يستطع اثنان من الشخصيات الخمسة التي يدور حولها الفيلم مشاهدته إذ لم يكن بمقدورهم تحمل كلفة القدوم من صفاقس التي تبعد حوالي 300 كيلومتر.

الوضع الاجتماعي والاقتصادي لهذه الشخصيات هو المحور الرئيسي للفيلم الوثائقي الذي يروي قصة احتجاز وترحيل خمسة شباب تونسيين هاجروا إلى إيطاليا عن طريق البحر في السنوات الأخيرة في ظروف خطيرة وبدون تأشيرة. ورغم أنهم لم يلتقوا سابقا، الا أن ما يربطهم، الى جانب هجرتهم وترحيلهم، هو ما يواجهونه من عدم استقرار في فرص العمل. فهم عاطلون عن العمل أو يعملون بدوام جزئي بأقل من 12 دينار في اليوم (حوالي 4 دولارات).

“لماذا تعتقد أني ذهبت إلى إيطاليا؟ للعب كرة القدم في نادي ميلانو؟ لشراء حذاء رياضي ؟ ” يواصل إسماعيل خليفي تهكمه على ظروفه ” نذهب إلى هناك لنعمل، ونجمع بعض المال، ونتزوج ثم نعود”.وبينما يواجه خليفي محنته بالسخرية، لا يزال البعض الآخر يعاني من كوابيس.

 أمين صلاح وهو أحد شخصيات الفيلم الخمسة ممن سافروا إلى إيطاليا في ظروف خطيرة، و تعرضوا للاحتجاز والترحيل يقول “كنت أنام و أحلم أنني ما زلت أعبر البحر. أحلم ذات الحلم كل يوم”،

صورة من فيلم “ديبورتاتو”، في عرض سينمائي في سينما مدار  في قرطاج، 24 ماي 2019 ، يظهر فيها هشام العابد بن سلطان، الراوي الرئيسي في الفيلم، هو الآخر تم ترحيله من قبل السلطات الإيطالية. تصوير فاضل علي رزا.

 وفقا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فقد 2275 شخصا حياتهم، أو فقدوا، أثناء رحلتهم لعبور البحر الأبيض المتوسط في عام 2018. بينما كان عام 2016 الأسوأ حيث لقي اكثر من 5000  شخص حتفهم خلال محاولتهم الوصول الى الجهة الاخرى من المتوسط.

يدفع المهاجرون مبالغ باهظة للمهربين الذين يديرون القوارب  التي تغادر ليلاً من شواطىء شمال أفريقيا وأماكن مثل مدينة جرجيس إلى الجزر الإيطالية مثل لامبيدوزا وبانتيليريا. تصف شخصيات فيلم “ديبورتاتو” تكديسهم في قوارب صغيرة مع قرابة 120 شخصا اخرين، مما يزيد من خطر انقلاب القارب. اعتقلت السلطات الإيطالية الصيادين التونسيين الذين ينقذون المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في البحر ويوصلونهم إلى الشواطئ الإيطالية.

بالنسبة لمخرج “ديبورتاتو” حمادي الأسود، فإن نقل تجارب ورسالة شخصيات فيلمه إلى المشاهدين هو تعبير عن وجهة نظره السياسية، حيث يقول الأسود لمشكال “أنا أدافع عن حق الناس في الذهاب إلى الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط. للذهاب حيث يحلو لهم، لقد ولدوا احرارا، ويجب أن يتحركوا و يعيشوا احرارا حتى يموتوا، لكن الناس تعيش تجربة تبدأ بجمع الأموال وبيع كل شيء من أجل هذه الرحلة ، و الذهاب الى مكان ما ، ثم يجدون أنفسهم في نفس المكان الذي رحلوا منه، وقد فقدوا كل شيء. وهذا يعني انه علينا اليوم أن  نراجع علاقتنا بأكملها  مع الذين “يحرقون” . الفعل يحرق، يعني بالدارجة التونسية السفر إلى أوروبا بطريقة غير شرعية.

ولكن ما هو تأثير الفيلم الوثائقي على الواقع  السياسي؟ بالنسبة لحمادي الأسود  الذي دعم إنتاج  فيلمه “ديبورتاتو” كل من المنصة الجماعية المستقلة “نواة” والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنه يشك في أن يكون لفيلمه تأثير كبير. حيث يوضح :”لا أتصور أن الفيلم سيغير الواقع، فالسلطات في تونس لا تستمع إلى الناس، كما أنهم يحكمون كما يريدون”.

يقول الأسود أن الشيء ذاته  ينطبق على الأفلام الوثائقية التي تتناول قضايا أكثر أهمية،مثل الفقر والحرب في المنطقة، والتي لم تسفر عن أي تغيير سياسي. بل إن طموحات الأسود أكثر تواضعا حول ما يمكن أن يحققه فيلمه. “دور الفيلم الوثائقي هو الحديث عن قضية لم يتم التطرق لها سابقا وربما فتح باب النقاش حولها”.

في نفس اليوم من المهرجان عرض الفيلم الوثائقي “الحال زين يا للا ؟” من إخراج رباب مباركي. يوثق فيلم مباركي الدمار البيئي الناجم عن الانشطة الصناعية في ولاية قابس وتأثيره على صحة وسبل معيشة سكانها، تتشارك مباركي مع حمدي الأسود بوجهة نظره حول محدودية قدرة الافلام على تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي، وتقول لمشكال :”إذا تحدثت إليك كفنانة، يمكن أن يؤثر الفيلم، لكن إذا تحدثت إليك كشخص من قابس، بكثير من المنطق والواقعية. فيمكن أن يغير قليلا، أنا وحدي لا أستطيع فعل أي شيء، وفيلمي وحده لا يمكنه فعل أي شيء”.

في حين أن المخرجين مباركي والأسود يتحفظان على قدرة أفلامهم على التغيير، يرى آخرون الفيلم الوثائقي كوسيلة يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي، حيث أن هشام بن خمسة، مدير التواصل لمهرجان قرطاج السينمائي يعتبر أن هذه الأفلام تدفع جهود التغيير إلى الأمام مضيفاً :”يمكنك رؤية الدافع وراء أفلامهم وهو الإحباط بسبب غياب العدالة على الصعيد المحلي، ومحصلة جهود هذه الأفلام هو دفع الحدود إلى الأمام نحو هدف التغيير”.

مكتب روزا لوكسمبورغ ستفتنغ في شمال أفريقيا المنظم للمهرجان في دورته الأولى يرى فيه منصة أخرى للوصول إلى أشخاص قد يمتلكون القدرة على التأثير بالحياة السياسية والاجتماعية، حيث يرى أحد المنظمين الرئيسيين للمهرجان من مكتب روزا لوكسمبرغ أنه “ليس لدينا منبر مشترك أو منصة جماعية لدعوة السياسيين وصناع القرار لنقاش مفتوح حول المشكلات المطروحة”.

حندوس الذي كان جزءا من اللجنة القائمة على عملية اختيار الأفلام المشاركة بالمهرجان، يوضّح أن الأفلام المختارة جميعها تحمل نوعاً من التنديد بعلّة اجتماعية تونسية، سواء كانت في قطاع العمل أو التهميش أو تحديات عملية الانتقال السياسي، فميزة الفيلم الوثائقي هو قدرته على التغيير سياسياً واجتماعياً عبر جذب جمهور أوسع لنقاش هذه القضايا، مشدداً :”نحن لا ندرك قوة الأفلام الوثائقية وتأثير الأفلام الاجتماعية الوثائقية”.

مساحة التعبير عبر الأفلام زادت منذ انتفاضة 2011، وفي سابقة على المستوى التونسي تقوم الحكومة بتمويل الأفلام التي تركز على القضايا الاجتماعية الشائكة، حيث يعطي فيلمي “صمت القصر” و”حلفاوين” على الاهتمام الرسمي المستحدث، رغم أن السينما التونسية السائدة تركز غالباً على المجال الخاص في الحياة والأسرة بدلا من المجال العام. وقال بن خمسة، لمشكال :” سبب نجاح السينما التونسية هو أنها متأصلة في المجتمع. لقد كانت سينما اجتماعية للغاية. وترى هذا أيضا في الفيلم الوثائقي”.

أما نرجس طرشاني، إحدى العاملات على تنظيم المهرجان، فتقول أن الليلة الافتتاحية للمهرجان شهدت حضورراً كثيفاً حيث امتلأت صالة سينما مدار لمشاهدة فيلم “جيل مانيش مسامح”، في حين شهدت كل ليلة تالية حضور  70 شخص. وبالنسبة لها، كان المهرجان ناجحا في منح منصة للأفلام الوثائقية، خصوصا وان الأفلام الوثائقية غالبا ما تواجه تحديات في النجاح التجاري. ومع ذلك، فهي ترى أيضا الحاجة إلى جذب جماهير أوسع للمواضيع الاجتماعية من خلال المزيد من الاهتمام بإنتاج أفلام ذات جودة عالية فنياً.

وتضيف طرشاني “لقد لاحظت شخصيا ان الناس قدموا لان الفيلم يتحدث عن منطقتهم أو موضوع مهتمين فيه بشدة، لذا ربما يجب علينا العمل أكثر على الجانب التصويري في إنتاج الأفلام، فالوصول إلى توازن بين الشكل والمحتوى يمكن أن يكون طريقة لجيل تونس الجديد من مخرجي الأفلام الوثائقية للوصول إلى جمهور أوسع”.

هذا المقال هو الجزء الثالث من سلسلة تتحدث عن المواضيع التي أثيرت في الأفلام الوثائقية التي تم عرضها في مهرجان “السينما الاجتماعية” في تونس في الفترة من 22 ماي إلى 26 ماي 2019.

ساهم في ترجمة وتحرير المقال باللغة العربية: أحمد أبو حمد

تصاعد المطالب بالتصدي لإتفاقية التبادل بين تونس و الإتحاد الأوربي

الصورة الرئيسية:.كاريكاتير سياسي للفنان توفيق عمران يعلّق على الأليكا ، وهي اتفاقية تجارية جديدة بين تونس والاتحاد الأوروبي قيد التفاوض، وظهرت في كتيّب مناصرة نشرته جمعية البحوث الاقتصادية والاجتماعية محمد علي حامّي ومكتب روزا لوكسمبورغ بشمال إفريقيا، أفريل 2019، فريق أخبار مشكال.

تصاعد المطالب بالتصدي لإتفاقية التبادل بين تونس و الإتحاد الأوربي

ماي 20، 2019

تونس – فاضل علي رزا

قام فريق من المتطوعين بترجمة هذا المقال من اللغة الإنجليزية.

بدأت حلقة نقاش عادية في تونس العاصمة صباح يوم الثلاثاء 30 أفريل. في احد اطراف الغرفة تناوب المتحدثون على تقديم العروض، بينما جلس عشرات الأشخاص في صفوف من الكراسي التي تواجههم يستمعون بهدوء. تشوش هذا المشهد المألوف عندما وقفت مجموعة من المعترضين في الصفوف الخلفية وبدأوا يغنون على لحن النشيد المناهض للفاشية “بيلا تشاو”. أما كلمات الأغنية فكانت من كلمات المحتجين، وقد كتبت خصيصا لهذه المناسبة، بما في ذلك أبرزها الأليكا اهو استعمار جديد”. بدأ العديد من أعضاء الجمهور في استخدام هواتفهم المحمولة لتصوير المعترضين الذين غنوا ورددوا وحملوا لافتات قد صنعوها بنفسهم لمدة خمس دقائق قبل مغادرة الغرفة. وفي وقت لاحق، تم مشاهدة مقاطع الفيديو التي تم تسجيلها من قبل المحتجين أنفسهم ما يقرب من 70000 مرة على موقع التواصل الجتماعي “فيسبوك” ، وفقًا للإحصاء التلقائي للموقع.

الأليكا هو الاسم المختصر باللغة الفرنسية لاتفاقية التجارة الحرة العميقة والشاملة و التي يجري  التفاوض عليها حاليًا بين تونس والاتحاد الأوروبي. وقد أبرمت تونس والاتحاد الأوروبي سابقا اتفاقية شراكة يعود تاريخها إلى عام 1995 تنص على التجارة المعفاة من التعريفات الجمركية في السلع الصناعية و بعض السلع الزراعية. اما الاتفاقية الجديدة فهي أوسع نطاقًا تشمل مجالات الزراعة والخدمات والمبادئ التوجيهية التنظيمية الواسعة التي تغطي أدق التفاصيل بدءًا من الملكية الفكرية الى إجراءات المشتريات العامة وحتى معايير الصحة الغذائية. وقد عُقِد اجتماع 30 أفريل بعد يوم واحد من بدء الجولة الرابعة من المفاوضات.

وقد بدأت مفاوضات الأليكا التجارية في أكتوبر 2015. وجرت الجولة التفاوضية الأولى في أفريل 2016. ولكن في الأشهر الاخيرة، على إثر المزيد من التدقيق في مضمون الصفقة و اثارها المتوقعة على الاقتصاد التونسي، بدأت المعارضة ضد الاتفاقية تتصاعد.

“لا يوجد أي حافز للاقتصاد التونسي” قالت إيناس محمود ل”مشكال”، وهي ناشطة ومنظمة في المجموعة التي تطلق على نفسها اسم مجموعة التصدي للآليكا ثم استطردت “اتفاقية أليكاً هي اتفاقية استعمارية جديدة … الاستعمار بهذا المعنى يعني شكلاً من أشكال التبعية والاستغلال والسلطة على بلد آخر.”

لدى معارضو الأليكا مخاوف عديدة.  ففي مجال الزراعة على سبيل المثال يزعم البعض بأن تحرير الأسواق الزراعية من شأنه أن يسمح بإلقاء السلع الزراعية الأوروبية المدعومة بشدة على السوق التونسية، وهي قضية تم تسليط الضوء عليها مؤخرًا في دراسة بعنوان “الإعانات الزراعية الأوروبية: نقطة عمياء في المفاوضات حول تحرير التبادل الزراعي” بقلم شفيق بن روين، رئيس البحوث الكمية في المرصد التونسي للاقتصاد. ويقدر البعض أن هذا قد يؤدي إلى التعطل عن العمل لأكثر من 100000 مزارع تونسي وخاصة مزارعي الحبوب-بينما أثارت جمعيات ومجموعات بحثية أخرى إنذارات بشأن استخدام الأراضي والمياه التي يمكن إعادة توجيهها نحو محاصيل التصدير بدلاً من إنتاج ما يكفي من الغذاء محليًا للمستهلكين التونسيين. وجادل آخرون بأن حماية الملكية الفكرية الواردة في الأليكا ستنظم براءات الاختراع في مجال الطب وإنتاج الأدوية بطريقة من شأنها أن تزيد أسعار الأدوية، وهو ما قد حصل في صفقات تجارية مماثلة في دول أخرى. وفي حين أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي غير مطروح في المفاوضات – مما يعني أن تونس لن تكون قادرة على التصويت و تقرير قواعد الاتحاد الأوروبي ولوائحه يبدو أن الأليكا بشكلها الحالي تتضمن شروطا تلزم تونس بتحديث قوانينها وفقًا لقوانين الاتحاد الأوروبي.

ما هو دور المجتمع المدني؟

ساعدت مجموعة التصدي للأليكا ، وهي جزءا من تحالف أوسع من مجموعات المجتمع المدني التي تعارض الأليكا، في تنظيم الحراك الاحتجاجي يوم 30 أفريل. وقد كان هشام بن احمد من بين المشاركين في حلقة النقاش يومذاك، وهو رئيس فريق التفاوض التونسي والذي يشغل أيضًا منصب وزير النقل. كما حضر الحلقة إيجناسيو غارسيا بيرسيرو، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي. تم وصف هذه المناسبة كفرصة لفتح النقاش للمجتمع المدني رغم انه لم يتم الإعلان عنها، وفقًا لنشطاء من المجموعة. اما على موقع الدولة التونسية الرسمي المروج لاتفاقية ، فيشير القسم الخاص بمشاركة المجتمع المدني الى ان منظمات المجتمع المدني التي ترغب في المشاركة، عليها ان تملأ نموذج طلب، في حين ان المنظمات التي سجلت سابقا يمكنها الاستفادة من “فرص للاجتماعات المميزة”.

وقالت ايناس محمود “إن اجتماعات المجتمع المدني هذه مفتوحة من الناحية النظرية أمام المجتمع المدني التونسي، لذا ذهبت مجموعة من الناشطين إلى هناك …”.

رأى بعض المشاركين في احتجاج 30 أفريل أن التشويش الذي قام به المحتجين هو دليل إيجابي عن النقاش الصحي.  فبالمثال قام غازي بن أحمد، رئيس ومؤسس مبادرة تنمية البحر المتوسط و الذي تشير بياناته الشخصية على “لنكدان” إلى أنه كان سابقا خبيرًا اقتصاديًا في المفوضية الأوروبية يعمل “لتحسين القدرة التنافسية لصناعة المنسوجات والملابس الأوروبية”، بنشر مقطع من فيديو الاحتجاج على حسابه على موقع” تويتر”. وكتب في “تويتر”: “هذا النوع من المظاهرة صحي ويثبت أننا بالتأكيد على طريق الديمقراطية في تونس”.

يدرج في قائمة “شركاء” مبادرة تنمية البحر المتوسط على موقعها على الإنترنت شركات متعددة الجنسيات بما في ذلك شركة الأدوية “ميرك“. ألّف غازي بن أحمد كتاب من 91 صفحة عنوانه “دليل الأليكا”، والذي نشرته مبادرة تنمية البحر المتوسط و مؤسسة كونراد أديناور على موقع الأليكا الرسمي الذي يوّكد أن الأليكا “تعتزم مساعدة المواطنين” في العديد من الأنشطة الاقتصادية.

بعد أن ظهر شريط الاحتجاج على وسائل التواصل الاجتماعي، قال نشطاء من المجموعة إنهم سمعوا من المشاركين الآخرين أن هشام بن أحمد، كبير المفاوضين التونسيين، قال إنه يود مقابلة المحتجين لإجراء مناقشات. لكن بعض النشطاء المرتبطين بمجموعة التصدي للاأيكا أخبروا مشكال أنهم لا يعتقدون أنه سيكون من المفيد مقابلة فريق التفاوض التونسي، حيث يركز الكثيرون جهودهم بدلاً من ذلك على التنظيم الشعبي أو التواصل مع البرلمان.

وقالت هنده شناوي لـ “مشكال”، وهي ناشطة في مجموعة التصدي للأليكا: “إننا لا نحاول إصلاح المفاوضات، بل نحاول منعها”.

النقابات تخرج ضد الأليكا

وفي اليوم التالي للاحتجاج، الأول من ماي وهو اليوم الدولي للعمال، كانت مجموعة التصدي للأليكا واحدة من عدة مجموعات شاركت في مسيرة إلى شارع الحبيب بورقيبة وهو الشارع الرئيسي في وسط المدينة. بدأت المسيرة في مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، النقابة العمالية الرئيسية في تونس ومؤسسة لعبت دورًا تاريخيًا في نضال تونس من أجل الاستقلال من الحكم الاستعماري الفرنسي. وبعد يومين، أي في 3 ماي، أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل بيانًا يدعو الحكومة التونسية إلى وقف المفاوضات بشأن الأليكا.

“تدورهذه المفاوضات في ظل تعتيم كامل على محتواها و غياب التفويض البرلماني، ودون تقييم جدي لانعكاسات اتفاق الشراكة لسنة 1995” ، يقول بيان الاتحاد.

يأتي انتقاد الاتحاد لشفافية المفاوضات مع العلم ان الاتحاد مذكور على موقع الأليكا في قائمة مجموعات المجتمع المدني المدرجة في “آلية المشاركة” للمفاوضات.

يرى النشطاء الذين يضغطون من أجل إيقاف المفاوضات في موقف الاتحاد دليلا على أن الحركة المناهضة لـلأليكا تكتسب زخماً.

وفي يوم الأحد 12 ماي، شعر رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد بأنه مضطر للتطرّق لظاهرة معارضة مفاوضات الأليكا خلال خطاب ألقاه أمام الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري في قاعة المعارض بقصر المؤتمرات في تونس العاصمة بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لقيام تأميم الأراضي التونسية التي سبق استعمارها.

وقال الشاهد مشيرا إلى لافتات الاحتجاج في الجزء الخلفي من قاعة المؤتمرات “طبعا فما موضوع مانّجمش نكون بيناتكم اليوم من غير ما نحكي عليه، و هوا نشوف فاللافتات، و هو برشى كلام قاعد يتقال بخصوصه، اتفاقية الشراكة و التبادل الحر الشامل و المعمّق- الأليكا.”

Screenshot from the Youtube video shared by Tunisia’s National TV Station covering the Tunisian PM’s address to UTAP featuring a protest banner reading “Importation=Subsidization of the European Farmer” in Tunis at the Conference Palace on May 12, 2019.

وقد كُتِب على إحدى اللافتات التي سجلتها كاميرات من محطة التلفزة التونسية الوطنية “الأليكا هي الرصاصة التي ستقضي على ما تبقّى من الفلاحة”. ولافتة أخرى أعلنت أن: ” التوريد = دعم للفلاح الأوروبي.”

Screenshot from the Youtube video shared by Tunisia’s National TV Station covering the Tunisian PM’s address to UTAP featuring a protest banner reading “ALECA is the Bullet that Will Destroy what Remains of Agriculturer” in Tunis at the Conference Palace on May 12, 2019.

وقال الشاهد “أي اتفاق متكونش فيه تونس رابحة، أي اتفاق ما ياخذش بعين الاعتبار مصلحة القطاع الفلاحي، احنا ماناش بش نمشيو فيه”.

وقد جاءت تعليقات الشاهد في أعقاب مقدمة من طرف عبد المجيد الزار، رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري الذي انتقد اتفاقية الأليكا بشدّة.

و قد قال عبد المجيد الزار في عرضه: “عبّرنا بصوت عالي عن موقفنا الرافض رفضا قطعيا لتوقيع اتفاقية التبادل الحر و الشامل و المعمّق مع الإتحاد الأوروبي ‘الأليكا‘ بصيغتها حالية لأننا تكونوا بذلك قد وقّعنا على قرار ضرب الفلّاح التونسي و تدمير الفلاحة التونسية .”

وتتفاوت نتائج الدراسات المتعلقة بالآثارالمحتملة للأليكا.  فقد وجد “تقييم لدعم” الأليكا الذي تم إجراؤه قبل بدء المفاوضات في عام 2013 بتمويل من المفوضية الأوروبية أن تونس ستشهد زيادة بنسبة 7 بالمائة في الناتج المحلي الإجمالي نتيجة للاتفاق. لكن دراسة حديثة أجرتها المؤسسة النمساوية لأبحاث التنمية في سنة 2018 وبتمويل من الوزارة الفدرالية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية وجدت أن الناتج المحلي الإجمالي  لتونس سينخفض ​​”بنسبة 0.52 ٪ في حالة التحرير الكامل للتعريفة الجمركية عند كلا شريكي اتفاقية التجارة الحرة.”  وتظهر دراسة عام 2013 التي تدعم الأليكا على صفحة “الدراسات والإحصائيات” في الموقع الرسمي التونسي المخصص للأليكا. إلا أن دراسة 2018 التي أجرتها المؤسسة النمساوية لأبحاث التنمية لم تظهر على الصفحة، وذلك اعتبارًا من 18 ماي 2019.

ووفقا لدراسة المؤسسة النمساوية لأبحاث التنمية ، “سوف تتأثر الحبوب والمشروبات الغذائية التونسية سلبًا بارتفاع المنافسة من الواردات من منتجات الاتحاد الأوروبي، بينما سوف تستفيد قطاعات محددة فقط في تونس (الزيوت النباتية والخضروات / الفواكه) بشكل طفيف.”

وفي مقابلة نشرها برّ الأمان في جانفي 2019، قال كبير المفاوضين في الاتحاد الأوروبي إجناسيو غارسيا بيرسيرو :”بما أن تونس تمثل 0.5٪ من إجمالي التجارة في الاتحاد الأوروبي، فإن المصالح التجارية للاتحاد الأوروبي في تونس محدودة نوعًا ما”.  ومع ذلك، فان حوالي 80 في المائة من صادرات تونس تذهب إلى أوروبا، وفقا لبيانات عام 2017، مما يشير إلى وجود علاقة تجارية غير متوازنة الى حد كبير. اما بالنسبة للتأثير المحتمل على القطاع الزراعي التونسي نتيجة التعرض للمنافسة من أوروبا، يشير بيرسيرو في المقابلة نفسها  أن تونس قد تلقت بالفعل 214 مليون يورو لدعم “زيادة القدرة التنافسية والاستدامة في القطاع الزراعي وتسهيل الصادرات وتنويعها”.

لكن بعض المتشككين ينتقدون بشدة نوايا أوروبا. وقد كتب هيثم قاسمي، وهو كاتب تونسي وطالب دكتوراه في جامعة مونتريال، في مقال حظى على اهتمام واسع إثر نشره في صحيفة لوموند يوم الجمعة 17 مايو ان الأليكا ” في صميم علاقة الاستعمار الاقتصادي الجديد العدائي”. الأليكا “هو مشروع استعماري جديد يهدف إلى القضاء على أي إمكانية للسيادة الاقتصادية لتونس من خلال تهميش أو حتى القضاء على قطاعات حيوية من الاقتصاد مثل الزراعة والصحة والخدمات … [فهو] مشروع للاعتماد الاقتصادي الكلي.”

في الشوارع ضد اليكا 

ويتردد صدى وجهة نظر قاسمي من قبل العديد من النشطاء الذين ينظمون للتصدي للأليكا . فعند غروب الشمس يوم الجمعة 17 ماي، بدأ نحو اثني عشر ناشطا في التجمع على رقعة من العشب بجانب برج الساعة في شارع الحبيب بورقيبة. كان الشارع المركزي الصاخب عادةً خاليا تمامًا وهادئا جدًا حيث كان معظم التونسيين في المنزل للإفطار ومشاهدة المسلسلات التلفزيونية التي يتم إنتاجها خصّيصا لشهر رمضان. وكان رجال الشرطة في ثياب مدنية قد وصلوا للتعرف على المجموعة الصغيرة قبل الإفطار.

وقال أحد الناشطين “قلنا لهم يا وخيّان، نحن نقول لكم مسبّقا عندما نتوقع أي توتر أثناء احتجاجاتنا. ولكن هذه المرة سنتناول بعض الطعام وندردش ونوزع منشورات تتحدث عن الاقتصاد.”

A group of Tunisians, mostly seasoned activists, sit together in downtown Tunis near Bourguiba Avenue after the iftar meal as they discuss ALECA and prepare to hand out fliers on Friday, May 17, 2019.

ففي جانفي 2018، اعتقلت السلطات التونسية ما لا يقل عن 50 ناشطًا من حركة فاش نستناو إما لتوزيع منشورات أو كتابة شعارات على الجدران، حسب هيومن رايتس وتش. حشدت تلك الحركة في المقام الأول لرفض التقشف الاقتصادي وإقرار ميزانية عام 2018 التي خفضت الإعانات وزادت من الضرائب المفروضة على الاستهلاك.

ولكن لم يتم القبض على نشطاء يوم الجمعة. وكان لدى الكثير ممن تجمعوا خبرة سابقة في النشاط أو هم جزء من مجموعات المجتمع المدني التي تعمل من أجل التغيير السياسي والاجتماعي. ومع ذلك، كان بعض المشاركين جدد على النشاط وقالوا إنهم حضروا للمشاركة بعد أن شاهدوا الحدث مشتركًا على “فيسبوك”. وبعد تناول وجبة الافطار ومناقشة لاحقة بين المشاركين، انقسمت المجموعة إلى مجموعات من أربعة أشخاص لتوزيع منشورات على أشخاص بدأوا يتدفقون على شارع بورقيبة للتجول وتناول القهوة بعد الإفطار.

بل إن قامت مجموعة من النشطاء حتى بتوزيع منشورات مناهضة لـلأليكا إلى رجال الشرطة المتمركزين في الشارع، حيث قدّم  بعض رجال الشرطة ردودًا إيجابية وقال احدهم “نحن معكم”.

An activist hands out fliers opposing the ALECA trade deal to people walking along Bourguiba Avenue in Tunis on Friday, May 12, 2019. Photo by William Edwards.

“كفاحنا من أجل سيادة تونس.” قال أحد النشطاء طالبا من مشكال عدم استخدام اسمه، مضيفاً أن “مهمّتنا هي جعل الناس يعرفون الأليكا”.

الأليكا باسم آخر؟

في حين أن التقدم البطيء لاتفاقية الأليكا والمعارضة المتزايدة للاتفاقية أثارت تساؤلات حول مرورها في نهاية المطاف، هناك بعض المؤشرات على أن منتقدي الأليكا يعملون ضد مدار الساعة.

وقال جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد في بروكسل يوم 24 أفريل 2018: “لقد وافقنا على إبرام [الأليكا] خلال سنة 2019 على أبعد تقدير لأنني أود، بموجب ولاية هذه اللجنة، أن يتم التوصل إلى هذا الاتفاق بشكل نهائي”.

عندما قام ناشطون مرتبطون بمجموعة التصدي لاليكا بتسليم منشورات لمدة ساعة في شارع بورقيبة يوم الجمعة، أفادوا بأن معظم الأشخاص الذين تحدثوا معهم لم يسمعوا بمشروع القانون.

كما لا يزال يتعين على البرلمان التونسي التصويت على الأليكا حتى يتم سنّها، وفقا للمادة 67 من دستور 2014. لكن الناشطين يشعرون بالقلق من أن البرلمان التونسي قد يمرر أجزاء من الاتفاقية دون تمريرها بأكملها. ويقول البعض أن عناصر معيّنة من الأليكا قد تم إقرارها بالفعل من قبل البرلمان أو أنها دخلت قانون تونس بموجب مرسوم. وفي مقابلة مع بر الأمان أعطت مهى بن غضة، مديرة البرامج الاقتصادية في مكتب مؤسسة روزا لوكسمبورغ في شمال إفريقيا، موافقة تونس على قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص على سبيل المثال، والاتفاق بشأن تقييم المطابقة وقبول المنتجات الصناعية بمختصرها الفرنسي، والاتفاقية مع مكتب براءات الاختراع الأوروبي.

ومن الامثلة الأخرى على ذلك “القانون رقم 25 لعام 2019 الصادر في 26 فيفري 2019 بشأن صحة الأغذية والأغذية الحيوانية”، الذي أقرّه البرلمان التونسي والذي يتوافق مع فصل أليكا المتعلق بالقواعد الصحية والصحة النباتية، وفقا لإيناس محمود.

“اعتماد هذا القانون يهدف إلى التقارب مع قوانين الاتحاد الأوروبي.” أخبرت ايناس محمود مشكال “كان يجب التفاوض على ذلك”.

واستطردت ايناس محمود، “بالنسبة للاتحاد الأوروبي، من الواضح جدًا أنه طالما لم يتم إحراز تقدم في المفاوضات من الجانب التونسي وطالما لم يكن واضحًا أن الجانب التونسي سيمضي في توقيع الاتفاق قريبًا ، فسوف يمارس الاتحاد الأوروبي الضغط من خلال فرض الشروط المرتبطة بالقروض والمساعدة المالية الكلية وأيضًا من خلال برامج المساعدة الفنية الممنوحة لتونس من قبل الاتحاد. بالنسبة لنا هذا هو ما يندرج تحت مصطلح الاستعمار الجديد. بهذه الطريقة، يمكن أن يحاول الاتحاد الأوروبي إدراج أجزاء من الأليكا في الشروط، التي يتعين على تونس الوفاء بها من أجل الحصول على شرائح من القروض، ليتم إقرارها كتشريع وطني قبل التوقيع على الاتفاق كما هو “.

والتنبيه بترابط شروط مساعدة الاتحاد الأوروبي بالإصلاحات المتعلقة الأليكا ليس بأمر جديد. ففي دراسة أجريت عام 2017 بعنوان “ الأليكا :أداة رئيسية لسياسة الاتحاد الأوروبي”، قامت جيهان شندول، رئيسة قسم أبحاث السياسات والمناصرة في المرصد التونسي للاقتصاد، بالربط بين المساعدات والمفاوضات التجارية. وفي نفس الدراسة كتبت جيهان شندول “في أبريل 2017، منح الاتحاد الأوروبي حزمة مساعدات مالية كبيرة ثانية إلى تونس، قيمتها 500 مليون يورو. وبعد بضعة أسابيع، تم إحياء عملية المفاوضات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة الأوروبية من خلال إنشاء لجان التفاوض.”

تم التصويت على القانون رقم 25 الخاص بالمعايير الصحية، حيث صوت 100 عضو في البرلمان مؤيدا، ولم يمتنع أحد عن التصويت ، وصوت واحد معارض ، وفقًا لإعلان التصويت الذي تم نشره على صفحة البرلمان التونسي  على “فيسبوك”. ولم تتوفر تفاصيل أخرى عن التصويت وعن الأعضاء بالتحديد الذين صوتوا لصالحه لا على الموقع الرسمي للبرلمان ولا على موقع مرصد مجلس، وهو مشروع تديره المنظمة غير الحكومية “البوصلة” التي تراقب البرلمان.

وقالت ايناس محمود “أنا أسأل نفسي أين المعارضة؟ أين الجبهة الشعبية، أين التيار، أين الحزب التقدمي الديمقراطي؟ أين الناس في النهضة والأحزاب الأخرى الذين يقولون إنهم يريدون احترام الاقتصاد الوطني، وأنهم يريدون حماية القطاع الزراعي التونسي وليس تدميره، لأن هذا هو بالضبط ما فعلوه عندما سمحوا لهذا القانون بالمرور. و من المهم للغاية، في المستقبل، الا يتم تنفيذ أجزاء أخرى من الأليكا مقدمًا في شكل قوانين وطنية. “